الخطيب الشربيني
663
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
وهذا يحتمل أن يكون على التعميم ، وأن يكون بالنسبة لعصر النبيّ صلى اللّه عليه وسلم لقوله تعالى : وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ [ البقرة : 47 ] أي : عالمي زمانهم ، ولا يبعد أن يكون في كفار الأمم قبل من هو شرّ منهم ، مثل فرعون وعاقر ناقة صالح . ولما ذكر تعالى الأعداء وبدأ بهم لأنّ ذلك أردع لهم أتبعه الأولياء فقال تعالى مؤكدا ما للكفار من الإنكار : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا أي : أقروا بالإيمان وَعَمِلُوا تصديقا لإيمانهم الصَّالِحاتِ أي : هذا النوع أُولئِكَ أي : هؤلاء العالو الدرجات هُمْ أي : خاصة خَيْرُ الْبَرِيَّةِ أي : على التعميم ، أو برية عصرهم يأتي فيه ما مرّ . وقرأ نافع وابن ذكوان بالهمز في الحرفين لأنه من قولهم برأ الله الخلق ، والباقون بالياء المشدّدة بعد الراء كالذرية ترك همزه في الاستعمال . ثم ذكر ثوابهم بقوله تعالى : جَزاؤُهُمْ أي : على طاعاتهم وعظمه بقوله تعالى : عِنْدَ رَبِّهِمْ أي : المربي لهم والمحسن إليهم جَنَّاتُ عَدْنٍ أي : إقامة لا يحولون عنها تَجْرِي أي : جريا دائما لا انقطاع له مِنْ تَحْتِهَا أي : تحت أشجارها وغرفها الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أي : يوم القيامة ، أو في الحال لسعيهم في موجباتها وأكد معنى الخلود تعظيما لجزائهم بقوله تعالى : أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ أي : بما له من نعوت الجلال والجمال عَنْهُمْ أي : بما كان سبق لهم من العناية والتوفيق وَرَضُوا عَنْهُ لأنهم لم يبق لهم أمنية إلا أعطاهموها مع علمهم أنه تفضل في جميع ذلك لا يجب عليه لأحد شيء ، ولا يقدره أحد حق قدره فلو أخذ الخلق بما يستحقونه لأهلكهم كما قال تعالى : وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ [ فاطر : 45 ] . وقال ابن عباس : ورضوا عنه بثواب الله عز وجل . ذلِكَ أي : الأمر العالي الذي جوزوا به لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ أي : خاف المحسن إليه خوفا يليق به فلم يركن إلى التسويف والتكاسل ، فإنّ الخشية ملاك الأمر والباعث على كل خير وهي للعارفين ، فإنّ الإنسان إذا استشعر عذابا يأتيه لحقته حالة يقال لها : الخوف ، وهي انخلاع القلب عن طمأنينته ، فإن اشتدّ سمي : وجلا لجولانه في نفسه ، فإن اشتدّ سمي : رهبا لأدائه إلى الهرب وهي حالة المؤمنين الفارّين إلى الله تعالى . ومن غلب عليه الحب لاستغراقه في شهود الجماليات لحقته حالة تسمى مهابة ووراء هذا الخشية إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [ فاطر : 28 ] فمن خاف ربه هذا الخوف انفك عن جميع ما عنده مما لا يليق بجنابه تعالى ، وما فارق الخوف قلبا إلا خرب . روى أنس « أنّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال لأبيّ بن كعب : إنّ الله أمرني أن أقرأ عليك لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا قال أبيّ : وسماني لك ؟ قال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : نعم فبكى أبيّ » « 1 » . قال البقاعي : سبب تخصيصه بذلك أنه وجد اثنين من الصحابة قد خالفاه في القراءة فرفعهما إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فأمرهما فعرضا عليه فحسن لهما قال : فسقط في نفسي من التكذيب أشدّ ما يكون في الجاهلية ، فضرب صلى اللّه عليه وسلم في صدري ففضت عرقا وكأنما أنظر إلى الله فرقا ، أي : خوفا ثم قصّ عليّ خبر التخفيف بالسبعة الأحرف ، وكانت السورة التي وقع فيها الخلاف النحل ، وفيها أنه تعالى يبعث رسوله صلى اللّه عليه وسلم يوم البعث شهيدا ، وأنه نزل عليه الكتاب تبيانا
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في المناقب حديث 3809 ، ومسلم في المسافرين حديث 799 ، والترمذي في المناقب حديث 3792 .